
يشهد معرض باريس الدولي للسيارات (Mondial de l'Auto 2026) تحركات واستراتيجيات متضاربة تعكس حجم التحولات العميقة التي يمر بها قطاع السيارات العالمي في أوروبا.
ففي الوقت الذي تقرر فيه مجموعة «ستيلانتس» (Stellantis) مضاعفة حضورها واعتلاء الصدارة بجناح ضخم، تستغل العلامات التجارية الصينية المنصة الفرنسية لترسيخ أقدامها واستهداف المستهلك الأوروبي بصورة مباشرة عبر حلول تجميع محلية وموديلات جديدة، بينما تسجل المجموعة البافارية «بي إم دبلية» انسحاباً مفاجئاً أربك التوقعات التنظيمية للحدث.
ويستعد المعرض لفتح أبوابه في الفترة الممتدة من 12 إلى 18 أكتوبر 2026 في أرض المعارض التاريخية بمركز "بوابة فرساي" (Porte de Versailles) بباريس.
ومن المقرر تخصيص يوم الاثنين 12 أكتوبر للصحافة والمتخصصين في صناعة المحركات، على أن تبدأ استقبال الجماهير وعشاق السيارات بدءاً من يوم الثلاثاء 13 أكتوبر.
ويسعى المنظمون خلال هذه النسخة إلى تجاوز أرقام الزوار المسجلة في دورة 2024 التي بلغت 508007 زائرين.
تستعد مجموعة «ستيلانتس» لتسجيل أحد أكبر الاستعراضات القوية في تاريخ المعارض الأوروبية الحديثة؛ حيث حجزت المجموعة مساحة عرض هائلة تبلغ 5340 متراً مربعاً داخل القاعة رقم 6 بالمعرض. وتضم منصة ستيلانتس العملاقة ثماني علامات تجارية تابعة لها هي: ألفا روميو، سيتروين، دي إس أوتوموبيلز، فيات، لانشيا، ليبموتور، أوبل، وبيجو. وتشكل مشاركة «أوبل» حدثاً بارزاً بشكل خاص، كونها تسجل عودتها الرسمية لمعرض باريس بعد غياب دام 10 سنوات كاملة.
وستكشف ستيلانتس النقاب عن أكثر من 60 سيارة متطورة، وفي مقدمتها السيارة الكروس أوفر المدمجة "لانشيا جاما" (Lancia Gamma) التي تعيد العلامة الإيطالية للسيارات الفاخرة إلى فئة D عبر خيارات تشغيل هجينة وكهربائية بالكامل.
وإلى جانبها، تدفع المجموعة بعلامة "ليبموتور" الصينية الشريكة عبر عرض السيارة B03 للمرة الأولى في أوروبا، ينضم إليها طراز الكروس أوفر B03X والسيارة المدمجة B05 من فئة C، مما يعكس مرونة المجموعة في الدمج بين التقنيات الأوروبية والصينية.
تقود علامة «سيتروين» الفرنسية الجانب العاطفي والتاريخي في جناح ستيلانتس؛ حيث تسلط الضوء على سيارة تجريبية فريدة تعد الخليفة الروحي والمستقبلي لأسطورتها الكلاسيكية "سيتروين 2CV".
وفي تصريحات رسمية لكزافييه شاردون، رئيس شركة سيتروين، كشف أن النموذج المعروض قريب جداً من النسخة الإنتاجية التجارية المقرر إطلاقها رسمياً في عام 2028، تزامناً مع مرور 80 عاماً على إطلاق النسخة الأصلية عام 1948.
وأكد شاردون أن السيارة الإنتاجية ستكون كهربائية بالكامل وتصنع داخل أوروبا بأسعار تنافسية للغاية تقل عن 15000 يورو، اعتماداً على قاعدة العجلات المستقبلية المخصصة للسيارات الكهربائية المدمجة "eCar".
وشددت الشركة على أن النموذج يعتمد بالكامل على الهندسة المعمارية الخاصة بسيتروين وليس على منصة ليبموتور T03 كما روجت بعض التقارير الصحفية. وإلى جانب بديل 2CV، ترجح التوقعات استعراض الشركة لسيارة تجريبية جديدة من طراز الفان المدمج يحمل اسم "إيلو".
تشكل المشاركة الصينية محور القصة الثانية في معرض باريس 2026؛ حيث ينقسم المشاركون إلى مجموعتين رئيسيتين. الأولى تضم شركات تعزز حضورها القائم مثل BYD، وليبموتور، وشانجان، وماكسوس.
بينما تضم المجموعة الثانية شركات تسجل ظهورها الأول في باريس لتعزيز التوسع الأوروبي، وفي مقدمتها شيري عبر علامتي أومودا وجايكو، إلى جانب لينك آند كو، وزيكر، ولي أوتو التي تخوض أولى خطوات انطلاقتها الرسمية في أوروبا.
وفي مقابل هذا الزخم الصيني، غابت شركات تويوتا ونيسان ومازدا عن القوائم الرسمية، بينما تأكد حضور هوندا وهيونداي وكيا.
ولم يعد التوسع الصيني يعتمد على شحن السيارات المصنعة في الأسواق الآسيوية، بل يرتكز على التجميع وتوطين الإنتاج داخل أوروبا للتغلب على التعريفات الجمركية.
فقد افتتحت مجموعة شيري مركز عمليات وبحوث في برشلونة إلى جانب مركزها الهندسي في فرانكفورت، وبدأت في تجميع السيارات بمصنع نيسان السابق بمنطقة زونا فرانكا بالتعاون مع شريكها الإسباني إيبرو، حيث تجلب لباريس موديلات أومودا 9، وجايكو 7، وتيجو 3 المجمعة إسبانياً.
وفي الوقت نفسه، تستفيد زيكر ولينك آند كو من شبكة التوزيع والوكلاء المعتمدة لشركة فولفو التابعة لمجموعة جيلي في فرنسا.
وعلى العكس من التوسع الهجومي لستيلانتس والشركات الصينية، تراجع العملاق الألماني «بي إم دبليو» عن المشاركة في المعرض بقرار مفاجئ اتخذه خلال أشهر الصيف، رغم تأكيده الرسمي في يناير المشاركة عبر ثلاث علامات هي بي إم دبليو، وميني، وبي إم دبليو موتورراد للموتوسيكلات.
وأرجعت المجموعة هذا التراجع إلى نتائج الأداء المالي والضغوط التشغيلية المسجلة خلال الربع الأول من العام.
ويترتب على غياب المجموعة البافارية حرمان زوار المعرض من تفقد جناح سيارات الفئة الجديدة "نوي كلاس" (Neue Klasse)، بما في ذلك النسخ الاختبارية والإنتاجية للسيارة الكهربائية i3 والكروس أوفر الكهربائي iX3، وهو ما يشكل خسارة ترويجية للمعرض، لكنه يفسح المجال أمام المنافسين للاستحواذ على اهتمام الجمهور والصحافة الدولية.
في الختام، يبرز معرض باريس للسيارات 2026 تحول المعارض الدولية من مجرد منصات للاستعراض إلى ميادين صراع استراتيجي لإعادة تشكيل سوق السيارات الأوروبي.
وبينما تراهن ستيلانتس على التجميع المحلي وتنوع علاماتها الثماني لاستعادة المبادرة، وتواصل الشركات الصينية التغلغل عبر مراكز تصنيع أوروبية وشبكات توزيع قوية، يظل انسحاب بي إم دبليو مؤشراً على إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية للشركات التقليدية في ظل التحول نحو السيارات الكهربائية والذكية.